يُعد الاكتئاب من الأمراض الشائعة عالميًّا، ويمكن أن يصبح حالة صحية خطيرة، تسبب للمصابين بها معاناة كبيرة، وتؤدي إلى تردِّي أحوالهم العملية أو الدراسية أو الأسرية، لا سيما عندما يكون طويل الأمد وبكثافة معتدلة أو شديدة.
وقد صنفت منظمة الصحة العالمية الاكتئاب بأنه السبب الرئيسي للعجز، والمساهم الأساسي في العبء العالمي الكلي للمرض؛ إذ يؤثر على أكثر من 300 مليون شخص من جميع الأعمار، ويحد بشدة من الأداء النفسي والاجتماعي ويقلل جودة الحياة.
ويمكن أن يصبح الاكتئاب من الأمراض المزمنة، ولا سيما في حالة تركه دون علاج، ومن ذلك الاكتئاب المعروف بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي المتكرر (rMDD)، وهو اضطراب مزاجي مصحوب بأعراض متعددة، أبرزها: الشعور بالحزن واليأس والغضب والإحباط وفقدان الاهتمام، بالإضافة إلى اضطرابات النوم والقلق وصعوبة التفكير، وسيطرة الأفكار الانتحارية على المريض، ومشكلات جسدية لا مسوِّغ لها مثل آلام الظهر والصداع.
ولا يزال اكتشاف هذا الشكل الاكتئابي وتشخيصه وإدارته يمثل تحديًا كبيرًا للأطباء، بسبب أعراضه المختلفة التي يصعب التنبؤ بها، بالإضافة إلى أن خطر تكرار معدل الانتكاسة والإصابة بالنوبات مرةً أخرى بعد التعافي يظل قائمًا لمدة 5 سنوات بنسبة تصل إلى 80%، لذلك فإن هناك حاجة ماسة إلى أدوات تشخيصية دقيقة لمواجهة هذا الخطر مبكرًا.
👉 For more insights, check out this resource.
وفي محاولة للبحث عن أداة فعالة للتنبؤ بالمرض، اكتشف باحثون في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا الأمريكية، بالتعاون مع علماء هولنديين، أن بعض المستقلبات، وهي جزيئات صغيرة تنتجها عملية التمثيل الغذائي (Metabolism) ويمكن رصدها في الدم، قد تكون مؤشرات للتنبؤ بالأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي المتكرر من جديد.
وأوضح الباحثون في دراستهم المنشورة في العدد الأخير من دورية (Translational Psychiatry)، أن هذه الطريقة يمكن أن تتنبأ بخطر الاكتئاب المتكرر بدقة تزيد نسبتها على 90%.
👉 Discover more in this in-depth guide.
ووفق الدراسة، يُعد الاكتئاب الرئيسي من أكثر الأمراض العقلية شيوعًا في الولايات المتحدة، حيث يقدر معدل انتشاره على مدى الحياة بنسبة 20.6٪، مما يعني أن واحدًا من كل 5 أمريكيين سيعاني على الأقل من نوبة واحدة خلال حياته.
بصمة أيضية
يقول رويل ماكينج، أستاذ الطب النفسي في جامعة أمستردام، وقائد فريق البحث: إن النتيجة الرئيسية التي توصلنا إليها هي أنه يمكننا توقُّع تكرار هذا الشكل الاكتئابي باستخدام نواتج تحليل عملية التمثيل الغذائي أو الأيض.
وعملية الأيض مصطلح علمي يصف مجموعةً من التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل خلايا الكائن الحي وتحافظ على الحياة، تتضمن عملية الهضم ونقل المواد من الخلايا المختلفة وإليها.
وأوضح “ماكينج” في تصريحات لـ”للعلم” أن “التمثيل الغذائي يقيس المئات من المستقلبات في الدم، ما يوفر بصمةً أيضيةً للشخص”، وأضاف أنه في المرضى الذين عانوا من عدة نوبات سابقة من الاكتئاب، يمكن لبصمة الأيض هذه أن تتنبأ بخطر الإصابة بنوبة اكتئاب جديدة.
وعن أهمية النتائج، أشار إلى أن ما توصل إليه الفريق أمر مهم؛ لأننا إذا عرفنا أي المرضى معرضٌ لخطر الإصابة بالاكتئاب مجددًا، فيمكننا تحسين جهودنا الوقائية بشكل أفضل، مضيفًا أن ما يصل إلى 80% من المرضى الذين عانوا من الاكتئاب في يومٍ ما، يعانون من نوبة جديدة، لكننا لا نستطيع تحديد هؤلاء ومتى يمكن أن يصابوا.
وللوصول إلى نتائج الدراسة، جمع الفريق عينات من دماء 68 شخصًا (45 من الإناث و23 من الذكور) تتراوح أعمارهم بين 35 و65 عامًا، كانوا قد تعافوا من الاكتئاب ولا يتناولون مضادات اكتئاب، بالإضافة إلى 59 شخصًا كمجموعة ضابطة مطابقة للمشاركين في الدراسة في العمر والجنس.
جرت متابعة المشاركين عبر إجراء اختبار دوري كل 4 أشهر لمدة عامين ونصف العام، وقياس أعراض الاكتئاب لرصد تكرار نوبات الاكتئاب الجديدة وتوثيقها.
وأظهرت النتائج إمكانية استخدام الواسمات البيولوجية الأيضية عندما يكون الأشخاص في حالة تعافٍ من الاكتئاب كمؤشرات سريرية تنبُّئية للمرضى الأكثر تعرضًا لخطر أكبر، ومخاطر أقل للانتكاسة، وتكرار نوبات أعراض الاكتئاب الرئيسي لمدة تصل إلى عامين ونصف في المستقبل بدقة وصلت إلى 95%.
وعن المواد الكيميائية الأكثر تنبُّئية بالاكتئاب، وجد الفريق أنها تنتمي إلى أنواع معينة من الدهون تشمل “الإيكوزانويدات” (Eicosanoids) و”الشحميّات السفينجوليّة” (Sphingolipids)، بالإضافة إلى “البيورينات” (Purines) وهي إحدى القواعد النيتروجينية التي تدخل في تركيب المواد الوراثية في الخلية.
وتُصنع “البيورينات” من جزيئات مثل (ATP) و(ADP)، وهي المواد الكيميائية الرئيسية المستخدمة لتخزين الطاقة في الخلايا، وتؤدي أيضًا دورًا في الاتصالات التي تستخدمها الخلايا.
لقد وجد الباحثون أن إحداث تغيرات في نواتج معينة في 6 مسارات استقلابية محددة أدى إلى تغييرات أساسية في الأنشطة الخلوية المهمة، لدى مَن يعانون من الاكتئاب المتكرر، مقارنةً بالمجموعة الضابطة.
وأشار الفريق إلى أن “هذه الاختلافات غير المرئية من خلال التقييم السريري العادي، تشير إلى أن استخدام الواسمات البيولوجية الأيضية يمكن أن تكون أداةً جديدةً للتنبؤ بالمرضى الأكثر تعرُّضًا لتكرار أعراض الاكتئاب”.
تشخيص الاكتئاب بعيدًا عن المخ
من جانبه، رأى محمد سلامة -أستاذ علم السموم العصبية، ومدير مركز البحوث الطبية التجريبية بجامعة المنصورة- أن البحث قدم نتائج ممتازة فيما يتعلق بإمكانية التنبؤ بانتكاسة مرضى الاكتئاب، اعتمادًا على متغيرات تحدث بعيدًا عن المخ والجهاز العصبي.
وأضاف لـ”للعلم” أن ما يميز الدراسة نقطتان أساسيتان: أُولاهما أن الأطباء لم يكونوا في السابق يؤمنون بأن الأمراض النفسية -وعلى رأسها الاكتئاب- يمكن أن تُحدث تأثيرات عضوية في المخ، لكن هذه النظرة تغيّرت فيما بعد، وتأتي هذه الدراسة لتعضد هذا الاتجاه، وتضيف بُعدًا جديدًا هو أن هذه الأمراض تُحدث تغيرات ليس فقط في الكيمياء العصبية للمخ، ولكن على مستوى الكيمياء الحيوية للجسم، وهذا الاتجاه الجديد يُعزّز إمكانية الاعتماد على المؤشرات الحيوية في الدماء كأداة تشخيصية للاكتئاب بعيدًا عن المخ.
وأوضح أن الفريق اعتمد على التمثيل الغذائي في دراسته، وهذا تقدُّم ممتاز يحيلنا إلى النقطة الثانية، وهي أن التركيز كان ينصبُّ في السابق على التغييرات التي تُحدثها الأمراض النفسية على مستوى الجينات، كأن نحدد الجين المسؤول عن الاكتئاب مثلًا، لكن الأمر تغير الآن، فإذا أردنا أن نفهم طبيعة تلك الأمراض، فلا يجب أن نكتفي بتأثيراتها الجينية، لكن لا بد أن نبحث عن تأثيراتها أيضًا على مستوى البروتينات والمستقبلات.
وتابع أن البُعد الجديد الذي تضيفه الدراسة هو تعزيز فكرة رد الفعل الداخلي الذي يحدُث بالجسم على عدة مستويات، هي: الجينات والبروتينات، بالإضافة إلى التمثيل الغذائي، للمساعدة في التنبؤ بالأمراض وتشخيصها، بجانب العوامل الخارجية التي يتعرض لها الإنسان على مدار عمره وتُسهم في الإصابة بالأمراض، وأبرزها البيئة ونمط الحياة وغيرها.
وأشار “سلامة” إلى أن ما يميز هذه الطريقة أيضًا أنها أداة تشخيصية للاكتئاب تعتمد على تحليل الدم، وبالتالي فإنها بعيدة عن المخ الذي لا يحبذ الأطباء عادةً أخذ عينات منه لخطورة ذلك على المرضى، لذا فإن إيجاد طريق للتنبؤ بالأمراض النفسية اعتمادًا على الدم ربما يُحدث اختراقًا في هذا المجال، ومنها التمثيل الغذائي.
وعن جدوى هذه الفكرة في حال تطبيقها، أشار إلى أن الفكرة في الوقت الحالي قد تكون مكلفة؛ لأنها في مرحلة البرهنة على صحتها علميًّا، كما أن التحليل يستهدف الكثير من المؤشرات الحيوية في التمثيل الغذائي، لكن في حال إقرارها وإجراء المزيد من الأبحاث لتحديد علامة أو اثنتين من المؤشرات الحيوية التي ترتبط بشكل وثيق بالاكتئاب لكي يمكن استخدامها في الفحوصات الروتينية، فإن التكلفة ستكون مناسبةً للغاية، وفق اعتقادي، على خلاف تقنيات تحديد الجينات المرتبطة بالأمراض.
واتفق معه شريف الخميسي -أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة- الذي وصف نتائج الدراسة بالجيدة؛ لأنها تلقي الضوء على التغير في التمثيل الغذائي وعلاقته بالاكتئاب، وتحديدات المستقبلات والبروتينات التي توجد في دماء المرضى.
وأضاف في حديث لـ”للعلم”، أن تقنيات التشخيص التي تتنبأ بأمراض الاكتئاب استنادًا إلى علامات يمكن رصدها في عينات من الدم وليس الدماغ، تُعَد خطوةً ممتازةً في هذا المجال؛ لأن الفريق العلمي للدراسة وجد تغيرات كبيرة في الدم، وكلها مؤشرات يمكن قياسها، لذلك فإن نتائج هذه الدراسة الإكلينيكية تُعَد بدايةً جيدةً في هذا المجال.
ورأى “الخميسي” أنه رغم اعتماد فريق البحث في هذه الدراسة على عينات قليلة نسبيًّا من مرضى الاكتئاب للتنبؤ بما إذا كانوا سيصابون بنوبات من الاكتئاب في المستقبل أم لا، لكن النتائج تعتبر مشجعةً لإجرائها على عدد أكبر من المشاركين، والتأكد من دقة النتائج وجدواها.
وعقَّب “ماكينج” على تلك التعليقات بقوله إن الفريق سيواصل بالفعل دراساته للتحقق من صحة نتائجه الأولية، وذلك يتطلب إجراء دراسة أكبر تشمل على الأقل 198 من الإناث و198 من الذكور.
وتابع: “إذا تمكنَّا من استخدام بصمة التمثيل الغذائي لتسليط الضوء على المخاطر المرتفعة المحتملة، فيمكننا تقديم رعاية وقائية إضافية لهؤلاء المرضى المعرضين للخطر، علاوةً على ذلك، قد تكون المسارات الأيضية التي تتنبأ بتكرار الإصابة بالاكتئاب هدفًا لتدخلات وقائية جديدة”.
وواصل حديثه: “في دراستنا المقبلة، سنعمل على اختبار ما إذا كان يمكن أيضًا استخدام المستقلبات للتنبؤ باستجابة المرضى للعلاج، إذا تمكنَّا من استخدام بصمة التمثيل الغذائي للتنبؤ بالمرضى الذين يستجيبون للعلاج، فيمكننا تقديم رعاية أكثر تخصصًا، تقود إلى معدلات استجابة أفضل”.